الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
خطبة زياد البتراء ، وتعليق بعض من سمعها

حدثنا محمد بن القاسم الأنباري ، قال : حدثني أبي ، قال : حدثنا أبو بكر محمد بن أبي يعقوب الدينوري ، قال : حدثنا عبد الله بن محمد الفريابي ، قال : حدثنا سفيان بن عيينة ، قال : حدثنا عبد الملك بن عمير ، قال : شهدت زياد بن أبي سفيان وقد صعد المنبر فسلم تسليما خفيا ، وانحرف انحرافا بطيا ، وخطب خطبة بتيرا ، قال ابن الفريابي : والبتيرا : التي لا يصلى فيها على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، ثم قال : إن أمير المؤمنين قد قال ما سمعتم ، وشهدت الشهود بما قد علمتم ، وإنما كنت امرأ حفظ الله مني ما ضيع الناس ، ووصل مني ما قطعوا ، ألا إنا قد سسنا وساسنا السائسون ، وجربنا وجربنا المجربون ، وولينا وولي علينا الوالون ، وإنا وجدنا هذا الأمر لا يصلحه إلا شدة في غير عنف ، ولين في غير ضعف ، وأيم الله إن لي فيكم صرعى ، فليحذر كل رجل منكم أن يكون من صرعاي ، فوالله لآخذن البريء بالقسيم ، والمطيع بالعاصي ، والمقبل بالمدبر ،  حتى تلين لي قناتكم ، وحتى يقول القائل : " انج سعد ، فقد قتل سعيد " ، ألا رب فرح بإمارتي لن تنفعه ، ورب كاره لها لن تضره ، وقد كانت بيني وبين أقوام منكم إحن وأحقاد ، وقد جعلت ذلك خلف ظهري وتحت قدمي ، ولو بلغني عن أحدكم أن البغض لي قتله ما كشفت له قناعا ، ولا هتكت له سترا ، حتى يبدي لي صفحته ، فإذا أبداها لم أقله عثرته ، ألا ولا كذبة أكثر شاهد عليها من كذبة إمام على منبر ، فإذا سمعتموها مني فاغتمزوها في ، وإذا وعدتكم خيرا أو شرا فلم أف به فلا طاعة لي في رقابكم ، ألا وأيما رجل منكم كان مكتبه خراسان فأجله سنتان ثم هو أمير نفسه ألا وأيما رجل منكم كان مكتبه دون خراسان فأجله ستة أشهر ثم هو أمير نفسه ، وأيما امرأة احتاجت فإننا نعطيها عطاء زوجها ثم نقاصه به ، وأيما عقال فقدتموه من مقامي هذا إلى خراسان فأنا له ضامن ، فقام إليه [ ص: 363 ] نعيم بن الأهتم المنقري ، فقال : أشهد قد أوتيت الحكمة وفصل الخطاب ، فقال : كذبت أيها الرجل ذاك نبي الله داود عليه السلام ، ثم قام إليه الأحنف بن قيس ، فقال : أيها الرجل إنما الجواد بشده ، والسيف بحده ، والمرء بجده ، وقد بلغك جدك ما ترى ، وإنما الشكر بعد العطاء ، والثناء بعد البلاء ، ولسنا نثني عليك حتى نبتليك ، فقال : صدقت ، ثم قام أبو بلال مرداس بن أدية ، فقال : أيها الرجل : قد سمعت قولك : والله لآخذن البريء بالسقيم والمطيع بالعاصي والمقبل بالمدبر ، ولعمري لقد خالفت ما حكم الله في كتابه إذ يقول : ولا تزر وازرة وزر أخرى فقال : إيها عني ، فوالله ما أجد السبيل إلى ما تريد أنت وأصحابك حتى أخوض الباطل خوضا . ثم نزل .

فقام مرداس بن أدية ، وهو يقول :


يا طالب الخير نهر الجور معترض طول التهجد أو فتك بجبار     لا كنت إن لم أصم عن كل غانية
حتى يكون بريق الحور إفطاري

فقال له رجل : أصحابك يا أبا بلال شباب ، فقال : شباب مكتهلون في شبابهم ، ثم قال :


إذا ما الليل أظلم كابدوه     فيسفر عنهم وهم سجود

فسرى وانجفل الناس معه ، فكان قد ضيق الكوفة على زياد .

التالي السابق


الخدمات العلمية