الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
تفسير حديث الأعرابي

قال أبو بكر ابن الأنباري قولهم : أبوت وأخوت معناه كنت أبا لعشرة وأخا لعشرة . وقوله : أهنأ الفقير : أصلح شأنه؛ قال القاضي : وأصله من الهناء الذي تطلى به الإبل من [ ص: 475 ] الجرب ، قال زهير :


فأبرى موضحات الرأس منه وقد يشفي من الجرب الهناء

ومنه قول الآخر :


ما إن رأيت ولا سمعت به     كاليوم طالي أينق جرب
متبذلا تبدو محاسنه     يضع الهناء مواضع النقب

ثم استعير هذا في كل من رفد غيره لسد فقر أو إصلاح أمر ، وهو من حسن التشبيه وقريبه؛ قال أبو بكر : وأذيل العسيرة معناه : ألين الناقة الصعبة لأحمل عليها الضعيف والمجتدي . وقوله : فانباق علي الدهر معناه : قصدني ببائقة ، وهي البلية والداهية ، ومتخوفا : متنقصا قال الله عز وجل : أو يأخذهم على تخوف قال القاضي : يقال تخوفه إذا انتقصه ، كما قال الشاعر :


تخوف السير منها تامكا قردا     كما تخوف عود النبعة السفن

يعني ناقة تنقص سيرها من سنامها بعد تمكنه واكتنازه . والنبع شجر معروف وقال الأعشى :


ونحن أناس عودنا عود نبعة     إذا افتحر الحيان بكر وتغلب

والسفن : الفأس ، وهو يتنقص العود وينحته حتى يصنع منه سفينة ، ومنه سميت سفينة بمعنى مسفونة أي منحوتة منجورة منتقصة الأعواد بالسفن . وقد قرئ على تخوف بمعنى الانتقاص من الحافات والجوانب . قال أبو بكر : والجمة : القوم يسألون في الدية ويقال أيضا للدية جمة . قال الشاعر :


وجمة تسألني أعطيت     وسائل عن خبري لويت

فقلت لا أدري وقد دريت

وقوله : حتى اخترم ظهرتي في الظهرة قولان :  الظهرة قولان : الظهرة عشيرة الرجل . وقال لي أبي قال أحمد بن عبيد : الظهرة والأهرة متاع البيت وما يصونه الرجل مما يودعه منزله من الآنية وأفنى عمارتي العمارة : القبيلة . وأساف ماليه معناه أوقع السواف في إبلي . وأصدرها طفلا معناه عند غيبوبة الشمس ، يقال طفلت الشمس إذا تهيأت للغروب . وفي السواف لغتان : السواف والسواف بضم السين وفتحها وهو داء يأخذ الإبل فيقتلها . قال أبو عمرو الشيباني : السواف من أدواء الإبل بالفتح ، وقال الأصمعي : السواف مضموم من الأدواء بمنزلة الكباد والسعال والنخار . عكرا دثرا العكر جمع عكرة وهي سبعون من الإبل إلى المائة ، والدثر هو المال الكثير وجمعه دثور .

قال امرؤ القيس :


لعمري لقوم قد نرى في ديارهم     مرابط للأمهار والعكر الدثر

[ ص: 476 ] يريد العكر الدثر ، فكسر الثاء لكسرة الراء على لغة من يقول قام بكر ومررت ببكر . وقال أبو ذر : يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور ،  يعني أصحاب الأموال الكثيرة .

قال القاضي : والوقف في بكر على حركة إعراب طرفه لغة معروفة للعرب ، وقد روي عن أبي عمرو أنه قرأ : وتواصوا بالصبر في الوقف بكسر الباء ، ومن هذه اللغة قول الشاعر :


علمنا إخواننا بنو عجل     شرب النبيذ واعتقالا بالرجل

وقد شرحنا علة هذه اللغة في موضعها . والعرب أيضا تقول مال دثر وأموال دثر . قال أبو بكر : قليلة الفرش والإفال ، الفرش : الصغار من الإبل التي لا تطيق أن يحمل عليها ، والإفال : الصغار من الإبل واحدها أفيل . قال القاضي : قد قيل إن الفرش الغنم ، والحمولة الإبل والبقر والبغال والحمير ، فأما الإفال فهي الصغار عند اللغويين ، قال الفرزدق :


وجاء قريع الشول قبل إفالها     يزف وجاءت خلفه وهي زفف

ويروى يرف ، وهي رفف ، والمعنى واحد ، وهو المشي السريع . قال الله عز ذكره : فأقبلوا إليه يزفون ومن القرأة من يقرأ يرفون . قال أبو بكر واجتملها الحدثان ذهب بجملتها ولم يبق منها شيئا .

حبجا وغدة الغدة : من أدواء الإبل ، الحبج : أن تأكل الإبل النبات فتنتفخ بطونها حتى تموت . وقال الزبير بن بكار : لما ورد نعي مصعب بن الزبير  على أهل مكة صعد عبد الله بن الزبير المنبر فقال : الحمد لله الذي له الخلق والأمر يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء ، ويعز من يشاء ويذل من يشاء؛ ألا وإنه لم يذلل الله تعالى من كان الحق معه ولو كان فردا ، ولم يعزز من كان الشيطان وليه وحزبه ولو كان الأنام كلهم معه ، ألا وإنه أتانا خبر من العراق أحزنا وأفرحنا ، أتانا قتل المصعب بن الزبير رحمه الله ، فأما الذي أحزننا فإن لفراق الحميم لذعة يجدها حميمه عند المصيبة ثم يرعوي من بعدها ذوو العزم إلى جميل الصبر وكرم العزاء ، وأما الذي أفرحنا فإن القتل كان له شهادة ، وإن الله عز وجل جعل ذلك لنا وله خيرة . ألا وإن أهل العراق أهل الغدر والنفاق أسلموه وباعوه بأقل الثمن ، فإن يقتل فإنا والله ما نموت حبجا كما يموت بنو أبي العاص ، وما نموت إلا قتلا قعصا بالرماح وموتا تحت ظلال السيوف ، ألا وإنما الدنيا عارية من الملك الأعلى الذي لا يزول ملكه ولا يبيد ،  فإن تقبل علي الدنيا لا آخذها أخذ الأشر البطر ، وإن تدبر عني لا أبك عليها كالخرف المهتر .

قال أبو بكر : فقرع مراحي المراح : موضع الإبل الذي تراح إليه ، يعني أن إبله ماتت وتلفت وبقي مراحها أقرع ، والعرب تقول قد قرع مراح الرجل إذا ذهب ماله ، قال الشاعر :


إذا آداك مالك فانتهبه     لجاديه وإن قرع المراح

[ ص: 477 ]

فإن أعيا عليك فلم تجده     فنبت الأرض والماء القراح
فإن الفقر إلف فناء قوم     وإن آسوك والموت الرواح

وفنت وضاحي معناه : فنيت دراهمي ، فنت بلغة طيء ، يقولون في فني فنى وفي رضي رضى وفي بقي بقى ، قال الشاعر :


لعمرك ما أخشى التصعلك ما بقى     على الأرض قيسي يسوق الأباعرا

واللأواء والشصاصاء : الشدة وكلب الزمان .

قال القاضي : الذي ذكره أبو بكر في نفى ورضى وبقى أنه لغة طيء هو على ما ذكر ، وقد ذكرنا من هذه اللغة وحكايتها صدرا في ما مضى من مجالس كتابنا هذا ، وقد تتداخل لغات العرب ويأخذ بعضهم من لغة بعض ، قال زهير :


تربع صارة حتى إذا إذا     فنى الدحلان عنه والأضاء

يريد فني . .

التالي السابق


الخدمات العلمية