قال القاضي: قول عبد الله أخي نابي " مع الإصباح نوح مسلب " أراد النساء، وقال: " نوح " وفيه وجهان: أحدهما أنه وصفهما بالنياحة فقال: نوح، وسماهن بالمصدر مثل زور وفطر وصوم، وهذا باب مشهور واسع، ومنه قول الشاعر:
لقد زاد الحياة إلي حبا بناتي إنهن من الضعاف مخافة أن يذقن البؤس بعدي
وأن يشربن رنقا بعد صاف وأن يعرين إذ كسي الجواري
فتنبو العين عن كرم عجاف
ألم يحزنك أن حبال قيس وتغلب قد تباينتا انقطاعا
وقال الشاعر:
فلو أنها طافت بطنب معجم نفى الرق عنه جدبه فهو كالح
لجاءت كأن القسور الجون بجها عساليجه والثامر المتناوح
وقوله: " لجاءت كأن القسور الجون " القسور: الشجر، وقيل: إنه شجر بعينه، وقيل في فرت من قسورة أي من الأسد، وقالوا: هذا من أسمائه، وقال قائلون: هذا من لغة الحبشة. قالوا: وهو بالعربية، أسد وبالنبطية أريا، وبالفارسية شير ، وبالحبشية قسورة، وقيل: عنى به الشجر؛ لأن الحمر فرت منه لما عاينت جماعته، " وقيل: بل عنى بذلك الرماة " وقيل: إنه عنى به ظلمة الليل. وقوله " الجون " وصفه بالسواد الذي يدل على الري من شدة الخضرة. وقد قيل في قوله جل ثناؤه قول الله جل جلاله: مدهامتان خضراوان من الري. وقيل إن أرض السواد سميت بهذا لكثرة الخضرة بها. وقيل إن الجون من حروف الأضداد، وأنه يقال للأبيض جون وللأسود جون، ومما أتى منه في معنى الأبيض قول الشاعر:
يبادر الجونة أن تغيبا
يعني الشمس. وقد يقال لكل واحد من بياض النهار وسواد الليل جون، قال الشاعر:
غير يا بنت الحليس لوني مر الليالي واختلاف الجون
وسفر كان قليل الأون
[ ص: 634 ] وأشرك في هذه الصفة بين الليل والنهار. وقوله: " بجها عساليجه " أراد فتقها بالسمن، " وعساليجه " أغصانه، واحدها عسلوج وعسليج.