الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
منازعات اللغويين في مجلس المهدي  

وقد كانت تجري بين الكسائي واليزيدي منازغة وهفوات، ومماراة وخصومات، عند الملاحاة في اللغة، والمجادلة في مقاييس النحو وأبواب العربية، وما منهما إلا متقدم وعلم مبرز في معرفته، ذو حظ عظيم من علم القرآن وإعرابه، وجملة النحو وأبوابه، رحمة الله علينا وعليهما وبركاته. فمما دار بينهما من الخصومة واللحاء، والمنازعة والمراء، ما حدثنيه عبيد الله بن أحمد الكاتب أحد إخواننا قال: حدثنا أبو عبد الله محمد بن العباس اليزيدي قال: حدثني عمي عبيد الله بن محمد قال: أخبرني أبي محمد بن أبي محمد قال: أخبرني أبو محمد أبي قال: كنا مع المهدي ببلد في شهر رمضان قبل أن يستخلف بأربعة أشهر، وكان الكسائي معنا، فذكر المهدي العربية وعنده شيبة بن الوليد العبسي عم دفافة، فقال المهدي: يبعث إلى اليزيدي وإلى الكسائي، وأنا يومئذ مع يزيد بن منصور خال المهدي، والكسائي مع الحسن الحاجب، قال: فجاءنا الرسول فجئت، وإذا الكسائي على الباب، فقال لي: يا أبا محمد أعوذ بالله من شرك، قال فقلت له: والله لا تؤتى من قبلي حتى أوتى من قبلك، قال: فلما دخلنا عليه أقبل علي فقال: كيف نسبوا إلى البحرين بحراني ونسبوا إلى الحصنين فقالوا: حصني ولم يقولوا حصناني كما قالوا بحراني؟ قال، قلت: أصلح الله [ ص: 685 ] الأمير، إنهم لو نسبوا إلى البحرين فقالوا بحري لم يعرف إلى البحرين نسبوه أم إلى البحر، ولما جاءوا إلى الحصنين لم يكن موضع آخر يقال له الحصن ينسب إليه غير الحصنين فقالوا: حصني. قال أبو محمد: فسمعت الكسائي يقول لعمر بن بزيع، وكان حاضرا: لو سألني الأمير لأخبرته بعلة هي أحسن من هذه. قال أبو محمد فقلت: أصلح الله الأمير إن هذا يزعم أنك لو سألته لأجاب بأحسن مما أجبت به. قال: فقد سألته، فقال الكسائي: إنهم لما نسبوا إلى الحصنين كانت فيه نونان، فقالوا حصني فاجتزؤوا بإحدى النونين عن الأخرى، ولم يكن في البحرين إلا نون واحدة فقيل بحراني، فقلت: أصلح الله الأمير كيف ينسب رجلا من بني جنان؟ يلزمه أن يقول جني؛ لأن في جنان نونين، فإن قال ذلك فقد سوى بينه وبين المنسوب إلى الجن. قال المهدي: فتناظرا في غير هذا، قال: فتناظرنا في مسائل حفظ قولي وقوله فيها قال: إلى أن قلت: كيف تقول: إن من خير القوم أو خيرهم بتة فقلت: أعز الله الأمير لأن يجيب فيخطئ فيتعلم أحسن من هذه الإطالة، قال فقال: إن من خير القوم أو خيرهم نية زيدا، قال: فقلت: أصلح الله الأمير ما رضي أن يلحن حتى لحن وأحال، قال: كيف؟ قال قلت: لرفعه قبل أن يأتي بالاسم ونصبه بعد رفعه، قال: فقال شيبة بن الوليد: أراد بأو بل، قال: فقلت: هذا تعني، فقال الكسائي: ما أردت غير ذلك، قال فقلت: قد أخطأ جميعا أيها الأمير، لو أراد بأو بل لرفع زيدا لأنه لا يكون بل خيرهم زيدا. قال فقال له المهدي: يا كسائي لقد دخلت إلي مع سلمة النحوي وغيره فما رأيت كما أصابك اليوم. ثم قال المهدي: هذان عالمان ولا يقضي بينهما إلا أعرابي فصيح تلقى عليه المسائل التي اختلفا فيها فيجيب.

قال: فبعث إلى فصيح من فصحاء الأعراب. قال أبو محمد: فإلى أن يأتي الأعرابي أطرقت، وكان المهدي محبا لأخواله، ومنصور بن يزيد بن منصور خاله حاضرا. قال فقلت: أصلح الله الأمير كيف ينشد هذا البيت من هذه القصيدة:


يا أيها السائلي لأخبر عمن بصنعاء من ذوي الحسب     حمير سادتها تقر لها
بالفضل طرا جحاجح العرب     وإن من خيرهم وأكرمهم
أو خيرهم بتة أبو كرب



فقال المهدي: كيف تنشد أنت؟ قال فقلت: أو خيرهم بتة أبو كرب على معنى إعادة " إن ". قال فقال الكسائي: هو قالها الساعة أصلح الله الأمير.

قال: فتبسم المهدي وقال: إنك لتجيد له وما تدري. قال: ثم طلع الأعرابي الذي بعث إليه فألقيت المسائل عليه، وكانت ست مسائل، فأجاب عنها كلها بقولي. قال: فاستفزني السرور حتى ضربت بقلنسوتي الأرض وقلت: أنا أبو محمد. قال فقال شيبة بن الوليد:

[ ص: 686 ] تكنى باسمك أيها الأمير!! فقال المهدي: والله ما أراد مكروها ولكنه فعل ما فعل للظفر، ولعمري لقد ظفر. قال فقلت: إن الله عز وجل أنطقك أيها الأمير بما أنت أهله، وأنطق غيرك بما هو أهله.

قال: فلما خرجنا قال لي شيبة: تخطئني بين يدي الأمير؟! أما لتعلمن. قال فقلت: قد سمعت ما قلت وأرجو أن تجد غبها. قال: ثم لم أصبح حتى كتبت رقاعا عدة، فلم أدع ديوانا حتى دسست إليه رقعة فيها أبيات قلتها، فأصبح الناس ينشدونها وهي:


عش بجد ولا يضرك نوك     إنما من ترى بالجدود
عش بجد وكن هبنقة القيسي     نوكا أو شيبة بن الوليد


شيب يا شيب يا جدي بني القعقاع     ما أنت بالحليم الرشيد
لا ولا فيك خلة من خلال ال     خير أحرزتها بحزم وجود
غير ما أنك المجيد لتقطيع     غناء أو ضرب دف وعود


فعلى ذا وذاك يحتمل الدهر     مجيدا له وغير مجيد



قال أبو عبد الله : وحدثني عمي عبيد الله قال: حدثني أبو جعفر أخي قال: حدثني أبو محمد قال: كانت تحتبس أرزاق الكسائي فيصير إلي فيقول لي: اكتب لي رقعة إلى جعفر بن يحيى فأكتب له.

قال القاضي: وقد أحسن اليزيدي فيما أجاب به، وألطف في نظره وقياسه، وأتى فيما بينه وبين الكسائي من الجفاء بما كان الأولى به خلافه، وما كان عليه لو حابى الكسائي وأغضى له، فقد كان يعرف فضله وتمكنه من العلم ونبله. والمسألة التي سأله عنها بحضرة المهدي لطيفة، وتعرض كثيرا في أمثالها الشبهة، وقد سأله عنها واستبطأه في جوابها وأنبه على تأخيره الجواب عنها، وما أرى اليزيدي حصل جوابها عند ابتداء وقوعها إليه على البدار والبديهة حتى أنعم فيها نظره وأعمل فيها فكره. وقد كنت أمللت في هذه المسألة كلاما، وشرحت ما استدل به اليزيدي فيها والوجه الذي تعلق به الكسائي في إجابته عنها، كرهت إعادته والإطالة هاهنا بذكره.

التالي السابق


الخدمات العلمية