[ ص: 278 ] قالوا : ، ولا يكون كلام إلا لحي ناطق ، وهذه صفات جوهرية تجري مجرى الأسماء ، وكل صفة منها غير الأخرى ، فالإله واحد ، خالق واحد ، ورب واحد لا يتجزأ . وسائر المسلمين يقولون : إن الكتاب كلام الله
فيقال لهم : أما قول المسلمين إن الكتاب - أي القرآن - كلام الله ، فهذا حق ، والكلام لا يكون إلا لمتكلم .
والمسلمون يقولون : إن الله حي متكلم ، وإنه تكلم بالتوراة والإنجيل والقرآن ، وغير ذلك من كلامه ، والقرآن قد أخبر بكلام الله في مواضع كثيرة ، وهل يسمى ناطقا وكلامه نطقا ؟
فيه نزاع ، فبعض المسلمين يجيزه ، وبعضهم يمنع منه لكونه لم يرد به الشرع ، وليس في التوراة والإنجيل والزبور تسمية الله ناطقا ، بخلاف لفظ القول والكلام ، وقد تنازع المسلمون بعد ظهور البدع فيهم كما تنازع أهل الكتاب في كلام الله ، هل هو قائم به ، أو مخلوق منفصل عنه .
والذي عليه سلف الأمة وأئمتها وجمهورها ، أن كلام الله قائم به ، [ ص: 279 ] وكذلك سائر ما يوصف به من الحياة والقدرة وغير ذلك .
وأحدث قوم منهم بعد انقراض الصحابة وأكابر التابعين ، بعد أكثر من مائة سنة من موت النبي صلى الله عليه وسلم أنه مخلوق خلقه في غيره ، وشاركهم في هذه البدعة كثير من اليهود والنصارى .
وظهرت هذه المقالة بعد المائة الثانية ، وانتصر لها قوم من الولاة ، وغيرهم ، ثم أطفأها الله بمن أقامه الله من أئمة الإسلام والسنة الذين بينوا فسادها وبينوا ما اتفق عليه السلف من أن ، بل منه بدأ ، لم يبتدئ من شيء من المخلوقات ، ومع هذا فلم يقل أحد من المسلمين : إن كلام الله يكون إلها ولا ربا . كلام الله منزل منه غير مخلوق
وكذلك حياته لم يقل أحد منهم : إن حياته تكون إلها ولا ربا ، ولا أنه مساو للرب تعالى في الجوهر .