[ ص: 280 ] وأما . قولهم : هذه صفات جوهرية تجري مجرى أسماء
فإن أرادوا بقولهم : جوهرية أن كل صفة جوهر ، فهذا كلام ظاهر الفساد فإن الصفة القائمة بغيرها لا تكون جوهرا قائما بنفسه ، ومن ظن أن حرارة النار القائمة بها جوهر قائم بنفسه كالنار ، فهو إما مصاب في عقله وإما مسفسط معاند .
والأول : يستحق علاج المجانين .
والثاني : يستحق العقوبة التي تردعه عن العناد .
ثم إن جاز أن تكون الصفة جوهرا كانت القدرة أيضا جوهرا .
وإن أرادوا بقولهم : جوهرية أنها صفات ذاتية ، وغيرها صفات فعلية كالخالق والرازق ، فمعلوم أن صفاته الذاتية منها القدرة وغيرها فلم تنحصر في هذه .
وأيضا فالكلام ، وإن كان قائما بذاته ، فقيل : هو متعلق بمشيئته وقدرته ، وهو قول السلف والأكثرين ، وقيل : ليس كذلك .
والمتكلم قيل : هو من فعل الكلام ولو كان منفصلا عنه ، وقيل : هو من قام به الكلام ، وإن لم يكن بمشيئته وقدرته ، وقيل : المتكلم من قام [ ص: 281 ] به الكلام بمشيئته وقدرته ، وهذا قول السلف والأكثرين ، فبطل قولهم على كل تقدير .
وإن أرادوا بالجوهرية أنها ذاتية مقومة ، وباقي الصفات عرضية على رأي أهل المنطق اليونان الذين يفرقون في الصفات اللازمة للموصوف بين هذا وهذا ، كان هذا فاسدا من وجوه :
منها : أن تفريق هؤلاء في الصفات اللازمة للموصوف بين صفة وصفة ، وجعل بعضها ذاتيا مقوما داخلا في الماهية ، وبعضها عرضيا لاحقا خارجا عن الماهية - كلام باطل عند جماهير نظار الأمم من أهل الملل ، وغيرهم كما قد بسط الكلام عليه في الرد على هؤلاء المتفلسفة ، وبين أن ما يدعونه من تركيب الأنواع من الأجناس والفصول إنما هو تركيب في الأذهان لا حقيقة له في الأعيان ، وأن ما يقوم بالأذهان يختلف باختلاف تصور الأذهان .
فتارة يتصور الشيء مجملا ، وتارة يتصوره مفصلا ، وما سموه تمام الماهية ، والداخل في الماهية ، والخارج عنها ، اللازم لها - يعود عند التحقيق إلى ما يدل عليه اللفظ بالمطابقة والتضمن والالتزام .
ومدلول اللفظ هو بحسب ما يعنيه المتكلم ويقصده ويتصوره ، وهذا يختلف باختلاف إرادات الناس لا يرجع ذلك إلى حقيقة عقلية ولا صفة ذاتية للموجودات .
ولهذا لما كان كلامهم باطلا لم يمكنهم ذكر فرق صحيح بين [ ص: 282 ] الذاتي والعرضي اللازم إذا كان كلاهما لازما للموصوف ، بل ذكروا ثلاثة فروق ، والثلاثة باطلة ، واعترف حذاقهم ببطلانها ، كقولهم : إن الذاتي يثبت للموصوف ، بلا وسط ، والعرضي اللازم إنما يثبت بوسط .
ثم حذاقهم يفسرون الوسط بالدليل ، كما فسره . ابن سينا
ومنهم من يفسر الوسط بصفة قائمة للموصوف ، كما يفسره الرازي وغيره ، وهؤلاء لم يفهموا مراد أولئك فزاد غلطهم ، وأولئك أرادوا بالوسط الدليل ، كما يريدون بالحد الأوسط ما يقرن باللام في قولك : لأنه ، فصار العرضي اللازم عندهم ما يعلم ثبوته للموصوف بدليل ، وهذا لا يرجع إلى حقيقة ثابتة في نفس الأمر ، بل هذا أمر يتعلق بالعالم بالصفات .
فمنهم من يكون تام التصور فيعلم لزوم الصفة للموصوف ، بلا دليل .
[ ص: 283 ] ومنهم من لا يكون تام التصور فلا يعلم ذلك إلا بدليل ، ثم كل ما كان مستلزما لشيء ، فإنه يمكن الاستدلال به عليه ، إذا كان الدليل هو الذي يلزم من تحققه تحقق المدلول ، فيكون الوسط كل ما كان مستلزما للعرض ، فيكون العرض لازم اللازم .
وهم معترفون بأن من العرضيات ما يلزم ، بلا وسط ، وقد مثلوا ذلك بالزوجية والفردية في العدد ، كالعلم بأن الأربعة زوج ، والثلاثة فرد ، وإن كان ظاهرا ، لكن العلم بأن خمسمائة وثلاثة وأربعين نصف ألف وستة وثمانين ، قد يفتقر إلى دليل ، وقد يفتقر إلى تأمل وفكر .
وهم يقولون ما يقول أفضل متأخريهم ، وغيره من أن العرض المنقسم إلى الكيف والكم وغير ذلك هو ذاتي لموصوفاته . ابن سينا
واللون المنقسم إلى السوداء والبياض هو ذاتي للمتلون ، والسوادية والبياضية صفتان ذاتيتان ، بخلاف الزوجية والفردية .
قالوا : لأن كون هذا أسود وأبيض وعرضا قائما بغيره ، لا يفتقر إلى استدلال ونظر بخلاف كون هذا العدد زوجا أو فردا ، فإن هذا قد يفتقر إلى نظر واستدلال ، فإنه ينقسم إلى قسمين متساويين أو لا ينقسم .
[ ص: 284 ] ومعلوم أن هذا فرق يعود إلى علم العالم بهذه الصفات ، هل هو جلي أو خفي ، وهل يفتقر إلى نظر واستدلال أو لا يفتقر ، ليس هو فرقا يعود إلى الصفة في نفسها ولا إلى موصوفها ، فعلم أنه ليس بين ما جعلوه ذاتيا مقوما داخلا في الماهية ، وما جعلوه عرضيا لازما خارجا عن الماهية - فرق يعود إلى نفس الماهية التي هي الذات الموصوفة الموجودة في الخارج ، ولا إلى صفاتها ، بل جميع صفاتها اللازمة لها - سواء في ذلك ، وليست الماهية مركبة من هذا دون هذا ، ولا فيها شيء يتقدم على الماهية في الوجود الخارجي ، كما يقولون : إن الذاتي يتقدم على الماهية في الوجود والذهن .
ولا الصفات جواهر موجودة في الخارج لها أجزاء كأجزاء الأجسام المركبة ، وإنما هي صفات قائمة بالموصوف يمتنع تقدم شيء منها على الموصوف .
ولكن إذا قيل في الإنسان : هو جسم حساس تام متحرك بالإرادة ناطق - فهنا قد يتصور الذهن هذه الأمور ، ويعبر عنها ، فكل واحد منهما جزء من الجملة التي في ذهنه ولسانه .
والجملة التي في ذهنه ولسانه مركبة من هذه الأجزاء لا أن الإنسان الموجود في الخارج مركب من هذه الأجزاء ، وأنها متقدمة عليه أو أنها جواهر ، فإن هذا كله مما يعلم بصريح العقل أنه باطل ، لكن هؤلاء المتفلسفة اليونان ومن اتبعهم - كثيرا ما يشتبه عليهم ما يتصورونه في الأذهان بما يوجد في الأعيان ، كما أثبت من أثبت من قدمائهم مثل [ ص: 285 ] فيثاغورس وأتباعه - أعدادا مجردة موجودة في الخارج .
وقد رد ذلك عليهم سائر العقلاء ، كما رده من بعده منهم .
وقالوا : إن العدد المجرد ، والمقدار المجرد إنما يوجد في الذهن لا في الخارج ، وإنما يوجد في الخارج المعدودات والمقدرات ، مثل الأجسام المتفرقة التي تعد كالكواكب ، أو المتصلة التي تقدر كالأفلاك ، وذلك هو المتصف بالكم المتصل والكم المنفصل الموجود في الخارج .
وأثبت أصحاب أفلاطون الكليات العقلية في الخارج التي يسمونها المثل الأفلاطونية وزعموا أنها قديمة أزلية ، وأثبتوا بعدا [ ص: 286 ] موجودا مجردا جوهرا : هو الخلاء ، وجوهرا قائما بنفسه ، هو الدهر ، وجوهرا مجردا قائما بنفسه : هو المادة والهيولى الأزلية .
وهذه كلها إنما تتصور في الأذهان لا في الأعيان ، بل وما أثبتوه من العقول المجردة العشرة هي أيضا عند التحقيق ترجع إلى ما يجرده الذهن ، ويقدره فيه ، لا إلى موجود في الخارج .
وأصل قولهم : المجردات والمفارقات هو مأخوذ من مفارقة النفس الناطقة للبدن بالموت ، وهذا حق ، فإن الذي عليه الأنبياء وأتباعهم ، وجمهور العقلاء أن الروح تفارق البدن ، وتبقى بعد فراق البدن ، ومن قال من متكلمة أهل الملل إنه لا يبقى بعد البدن روح تفارقه ، وإن الروح جزء من البدن أو عرض من أعراض البدن ، فقوله - مع أنه خطأ في العقل الصريح - هو أيضا مخالف لكتب الله المنزلة ولرسله ، ولمن اتبعهم من جميع أهل الملل ، وهذه الأمور مبسوطة في غير هذا الموضع .
والمقصود هنا التنبيه على أن ، خالفهم فيها جمهور عقلاء الأمم من نظار أهل الملل وغيرهم . تفريق هؤلاء اليونانيين في الصفات اللازمة للموصوف بين الصفات الذاتية والعرضية اللازمة ، وجعلهم اللازمة : منها ما هو لازم للماهية ، ومنها ما هو لازم لوجودها - هو مبني على أصلين فاسدين لهم
أحد الأصلين : هو ما تقدم من جعلهم الصفات اللازمة للموصوف هي في الخارج منقسمة إلى ذاتي ، جزء من الماهية داخل فيها ، وإلى عرضي خارج عنها لازم لها .
[ ص: 287 ] والثاني : زعمهم أن كل موجود ممكن وله في الخارج ماهية هي ذاته وحقيقته - غير الموجود المعلوم المعين الثابت في الخارج ، وهذا أيضا مما اشتبه عليهم فيه ما في الذهن بما في الخارج .
فإنه إذا أريد بالماهية ما يتصور في الذهن ، وهو المقول في جواب ما هو ، وبالوجود ما هو ثابت متحقق في الخارج ، فمعلوم أن هذا غير هذا ، كما يقولون : إنا نتصور المثلث قبل أن نعلم وجوده في الخارج ، فعلم أن ماهية المثلث غير المثلث الموجود في الخارج .
فإنه يقال لهم إن أردتم أن ما يتصور في الذهن من المثلث غير الموجود في الخارج فهذا حق ، لكن ليس في هذا ما يدل على أنه في الخارج عن الذهن شيئين :
أحدهما : ماهية المثلث التي هي حقيقته وذاته .
الثاني : المثلث الموجود الذي هو زاوية الحائط .
وإن أردتم أن في الخارج شيئين ، فهذا غلط ، وهذا الموضع مما اشتبه على كثير من النظار حتى صار بعض أكابرهم حائرا متوقفا .
وبعضهم يختلف قوله ويتناقض ، وسبب ذلك عدم تمييزهم بين ما يتصور في الأذهان وبين ما يوجد في الأعيان ، ثم هذا الموضوع [ ص: 288 ] نقلوه إلى الكلام في صفات الله اللازمة له ، كحياته وعلمه وقدرته ، هل هي ذاتية أو عرضية ؟
فإن قيل : ذاتية لزم أن تكون له أجزاء متقدمة عليه تركب منها ، وإن كانت عرضية لازمة لزم أن يكون قابلا وفاعلا ، فإن كونه فاعلا غير كونه قابلا ، فلزم أن يكون فيه جهتان ، وهذا من التركيب الذي زعموه منتفيا ، وذلك يستلزم التركيب ، وهو التركيب من الذاتيات ، وقد بين فساد هذا من وجوه متعددة :
منها : أن التركيب المعقول هو تركيب الحيوان والنبات والمعادن من أبعاضه وأخلاطه ، وتركيب المبنيات والملبوسات والأطعمة والأشربة من أبعاضها وأخلاطها .
وأما تركيب الأجسام من الجواهر المنفردة أو من المادة والصورة فهذا مما تنازع فيه جمهور العقلاء ، وكذلك تركيب الشيء من الموجود ، والماهية سواء كان واجبا أو ممكنا هو مما تنازع فيه جمهور العقلاء ، وكذلك تركبه من الصفات الذاتية المشتركة والمميزة التي يسمونها : الجنس ، والفصل .
[ ص: 289 ] وأما اتصاف الذات بصفات تقوم بها ، فهذا هو الذي يعرفه عامة العقلاء ، ولكن لا يسمون هذا تركيبا ، فمن سماه تركيبا لم يكن نزاعه اللفظي قادحا فيما علم بالأدلة السمعية والعقلية .
ثم هم يقولون : المركب يفتقر إلى أجزائه ، وأجزاؤه غيره ، وواجب الوجود لا يفتقر إلى غيره ، وهذه كلها ألفاظ مجملة ، فإن لفظ الافتقار هنا لم يعنوا به افتقار المفعول إلى فاعله ، ولا المعلول إلى علته الفاعلية ، فإن جزء الشيء لا يكون فاعله ولا علته الموجبة له ، بل يريدون به التلازم والاشتراط ، فإن وجود المجموع مستلزم لوجود أجزائه ، وهو مشروط بذلك .
ومنها : أن لفظ الجزء ليس مرادهم جزءا مباينا للجملة ، فإن جزء الجملة ليس مباينا لها .
ومنها لفظ الغير ، فإنه يراد بالغيرين ما يجوز مباينة أحدهما لصاحبه ، أو مفارقته له بزمان أو مكان أو وجود ، ويراد بهما ما يجوز العلم بأحدهما دون الآخر ، وبعض المجموع وصفة الموصوف لا يجب أن تفارقه وتباينه ، بل قد يجوز أن تباينه ويجوز أن لا تباينه .
فصفات الرب عز وجل اللازمة له لا يجوز أن تفارقه وتباينه ، وحينئذ فمن الناس من لا يسميها غيرا له ، ومن سماها غيرا له فذاته مستلزمة لها ، ليست الصفات فاعلة للذات ، ولا علة موجبة لها .
ويراد به مع ذلك المستغني عن محل يقوم به ، والذات [ ص: 290 ] بهذا المعنى واجبة دون الصفات ، ويراد به ما لا تعلق له بغيره ، وهذا لا حقيقة له ؛ فإن الرب تعالى له تعلق بمخلوقاته لا سيما عند هؤلاء الفلاسفة الدهرية الذين يقولون : إنه موجب بذاته للأفلاك مستلزم لها ، فيجعلونه ملزوما لمفعولاته ، فكيف ينكرون أن تكون ذاته ملزومة لصفاته ؟ ولفظ واجب الوجود يراد به الموجود بنفسه الذي لا فاعل له ، ولا علة فاعلة له ، وذات الرب عز وجل وصفاته واجبة الوجود بهذا الاعتبار ،
وهؤلاء المتفلسفة اليونانيون الذين يسمون المشائين أتباع أرسطو صاحب التعاليم : المنطق الطبيعي ، والرياضي ، والإلهي ، يقولون : إن موضوع العلم الطبيعي متعلق بالمادة في الذهن والخارج من الجسم وأحكامه .
والثاني الرياضي : وهو متعلق بالمادة في الخارج لا في الذهن ، فإنه لا يوجد عددا ولا مقدارا في الخارج إلا في جسم في الخارج أو عرض معدود ، أو مقدر منفصل ، بخلاف الذهن ، فإنه يجرد أعدادا ومقادير مجردة عن المعدودات والمقدرات .
والثالث : الذي يسمونه علم ما بعد الطبيعة باعتبار السلوك العلمي ، وهو علم ما قبلها باعتبار الوجود العيني ، ويسمونه أيضا العلم الإلهي ، وموضوعه عندهم : المجرد عن المادة في الذهن والخارج ، وهو الموجود من حيث هو موجود ، وانقسامه إلى جوهر وعرض ، وانقسام الجوهر إلى جسم وغير جسم ، وانقسام الجسم إلى المادة والصورة والعقول والنفوس .
[ ص: 291 ] والعلة الأولى يسميها أرسطو وأتباعه جوهرا ، ولا يسميها واجب الوجود ، وأما متأخروهم وأتباعه يسمونها واجب الوجود ، ولا يسمونها جوهرا ، والكلام على هؤلاء مبسوط في موضع آخر ، إذ المقصود هنا أن هذه الأمور التي يقولون هي موضوع العلم الإلهي ، وهي المجردة عندهم عن المادة في الذهن والخارج ، هي عند التحقيق وجودها في الأذهان ، لا في الأعيان . كابن سينا
فإن الوجود العام الكلي لا يوجد عاما كليا إلا في الأذهان لا في الأعيان كما أن الإنسان العام الكلي ، والحيوان العام الكلي لا يوجد عاما كليا إلا في الأذهان ، لا في الأعيان .
وقد بسط الكلام على هؤلاء في غير هذا الموضع ، وبين أن اليهود والنصارى بعد النسخ والتبديل ، أقرب إلى الحق في الأمور الإلهية منهم .
وهذه الأمور مبسوطة في موضع آخر ، ولكن نبهنا عليها لتعلقها هنا بقول هؤلاء النصارى : إن صفات الرب الثلاث هي جوهرية دون غيرها ، وأنهم إن عنوا بذلك ما يعنيه هؤلاء بالذاتية ، فقولهم باطل مبني على أصل باطل .
فإن تفريق هؤلاء اليونان في الصفات اللازمة بين الذاتي والعرضي اللازم للموجود ، والعرضي اللازم للماهية ، والعرضي اللازم [ ص: 292 ] للموصوف - فرق باطل ، وقد ذكروا ثلاث فروق كلها باطلة ، كما تقدم :
الأول : الوسط .
والفرق الثاني : تقدم الذاتي ذهنا ووجودا ، بخلاف اللازم العرضي .
والثالث : توقف الحقيقة على الذات .
وقد تبين بطلان هذا في غير هذا الموضع .
والنصارى ليس مرادهم بالجوهرية ما يريده هؤلاء بالذاتية ، فلهذا لم نبسط الكلام عليه ، ، بل يقولون : إن الثلاثة جواهر ، وهؤلاء المنطقيون يفرقون بين اللازم للماهية ، واللازم لوجودها بناء على أن في الخارج شيئين : الوجود ، وماهية أخرى غير الوجود .
والكلام على هذا كله مبسوط في موضع آخر .
ومنها : أنه لو قدر أن صفات الموصوفات اللازمة لها تنقسم إلى ذاتي مقوم ، وعرضي لازم ، وأن صفات الرب سبحانه كذلك ، لم يكن تخصيص العلم بأنه ذاتي أولى من القدرة ، فليس ذكر القائم بنفسه الحي العالم بأولى من ذكر القائم بنفسه الحي القادر .
والنصارى لما كانت الأقانيم عندهم ثلاثة ، وزعموا أن الشرع المنزل دل على ذلك ، وكانوا في ذلك مخالفين للشرع المنزل إليهم ، [ ص: 293 ] كما قد بسط في موضعه - صار طائفة منهم يقولون : موجود حي عالم ، وطائفة يقولون : موجود عالم قادر ، فيجعلون القادر مكان الحي ، ويجعلون روح القدس هو القدرة .
وهذا القول وإن كان أحسن في المعنى ، لكن تفسير روح القدس بالقدرة في غاية البعد الذي يظهر فساده لكل أحد .
ولا بد لهم من إثبات أقنوم الكلمة الذي يقولون تارة : هي العلم ، وتارة : هي الحكمة ، ويسمونها تارة : النطق كما سموها في كتابهم هذا ، لأن الذي اتحد بالمسيح عندهم هو أقنوم الكلمة ، فصاروا تارة يضمون إليها الحياة ، وتارة يضمون إليها القدرة .
والأب تارة يقولون : هو الوجود ، وتارة يقولون : القائم بنفسه ، وتارة يقولون : الذات ، وتسمى القائم بنفسه بالسريانية : الكيان ، وتارة يقولون : الجود .
وكل هذا من الحيرة والضلال ، لأنهم لا يجدون ثلاث معان هي المستحقة لأن تكون جوهرية دون غيرها من الصفات ، سواء فسرت الجوهرية بأنها جواهر ، أو بأنها ذاتية مقومة أو بغير ذلك .
ومنها قولهم : تجري مجرى أسماء ، فإن أرادوا بذلك أسماء أعلام أو جامدة ، وسائرها صفات ، فاسم الحي والعالم اسم مشتق يدل على معنى العلم والحياة ، كما يدل القدير على القدرة ، وإن أرادوا أنه يسمى بها ، فلله تعالى أسماء كثيرة ، فإنه سبحانه له الأسماء الحسنى .
[ ص: 294 ] ومن أسمائه القدير ، والقدرة تستلزم من قدرته على المخلوقات ما لا يدل عليه العلم ، وخلقه للمخلوقات يدل على قدرته أبلغ من دلالته على علمه ، واختصاصه بالقدرة أظهر من اختصاصه بالعلم ، حتى إن طائفة من النظار وغيره يقول : أخص وصفه القدرة على الاختراع ، فلا يوصف بذلك غيره . كأبي الحسن الأشعري
والجهم بن صفوان قبله يقول : ليس في الوجود قادر غيره ، ولا لغيره قدرة ، وإن أثبت للمخلوق قدرة ، لكن يثبت قدرة لا تؤثر في المقدور ، ولم يقل أحد من العقلاء : إن أخص وصفه الحياة والعلم ، ولا إن غيره ليس بحي ولا عالم ، فكان جعل القدير اسما وغيره صفة - إن كان الفرق حقا - أولى من العكس ، فكيف إذا كان الفرق باطلا فإن أسماءه تعالى التي يعرفها الناس هي أسماء ، وهي صفات في اصطلاح أهل العربية تدل على معان ، هي صفاته القائمة به . والأشعري
فالحي يدل على الحياة ، والعليم يدل على العلم ، والقدير يدل على القدرة ، هذا مذهب سلف الأمة وجماهير الأمم ، ومن الناس فرقة شاذة تزعم أن هذه الأسماء لا تدل على معان كأسماء الأعلام ، وقد . تنازع الناس فيما يسمى به سبحانه ، ويسمى به غيره كالحي والعليم والقدير
فالجمهور على أنه حقيقة فيهما ، وقالت طائفة كأبي العباس الناشي : إنها حقيقة في الرب عز وجل مجاز في المخلوق ، [ ص: 295 ] وقالت طائفة عكس هؤلاء من الجهمية والملاحدة والمتفلسفة : إنها مجاز في الرب عز وجل حقيقة في المخلوق ، والأولون هي عندهم متواطئة ، وقد يسمونها مشككة لما فيها من التفاضل ، وبعضهم يقول : هي مشتركة اشتراكا لفظيا .