أيهما الأصل الفعل أم المصدر
وقد تعلق نحاة الكوفيين على أصحابنا البصريين بأنهم قد اتفقوا على حمل المصدر في الاعتلال على الفعل فأجروه مجرى التابع التالي له ، وأن هذا يدل على صحة قول من قدم الفعل فجعل المصدر مأخوذا منه ، وفساد قول البصريين بتقديم المصدر والحكم بأنه أخذ منه الفعل .
وللبصريين جواب عن هذا وانفصال منه ، وذلك أن كره اختلاف الجملة واضطراب الباب ، وأوثر التوفيق بين بعضه وبعض ، فلما حضر معنى أوجب اعتلال الفعل اعتل المصدر ، على أن المعتل من المصادر ما كان متجاوزا الأصل فإنه هو أول في الحقيقة له ، ألا ترى أن أصل المصدر في القيام قام قومة وقوما على أصل القياس في التقدير ، مثل : صام صوما وعام عوما ورام روما .
ومن فائدة يحصل الفرق بين المعاني المختلفة ، كقولهم : وجدان في المال ، ووجود في الإدراك ، وموجدة في الغضب ، ووجد في الغنى ، وجدة في المال ، ووجد في الحب والغضب ، والفعل فيه كله وجد يجد ، وفرع المولدون من هذا قولهم : وجادة : ما كان من العلم أخذ من صحيفة من غير سماع ولا إجازة ولا مناولة . الاختلاف في أبنية المصادر
ومثل هذا في الأسماء التي حفظت مصادرها يستفاد به الفرق في العلاقة بالفتح في المحبة والخصومة ، والعلاقة بالكسر في السيف والسوط ، ولا خلاف في سبق هذه الأسماء للأفعال وتقدمها عليها .
ومما يبين إيثارهم توفيق المفضول في الجملة وإن كان القياس يقتضي لشيء منها دون غيره من بابه حكما ، فيستتبع ما سواه وإن لم يكن فيه من العلة ما فيه ، قولهم : آمن ، وأبدلوا من الهمزة مدة كراهية لاجتماع الهمزتين ، ثم حملوا عليه يومن وتومن ونومن للتوفيق والتسوية ، وإن كانوا قد يقرونه على أصله ، ويتركون إلحاقه بما العلة خاصة فيه .
وفي شرح هذا الباب وبسط القول فيه طول ليس هذا موضعه ، وهو من أنبه مخالفي والفراء البصريين في هذا الفصل وأعلمهم وأنظرهم في قياسه واستدلاله قد احتج في استحقاق الفعل الماضي الفتح يحمله إياه على التثنية في قولك : جلس وجلسا ، فألزم [ ص: 325 ] الواحد وهو متقدم حكم الاثنين وهو بعده ، فأتبع الأول الثاني وعلق عليه حكمه كأن ثانيه أول له ، ومن كان هذا مذهبه فحقيق على أن لا ينكر على خصمه مثله ، وكيف وقد أومأنا من مذهب مخالفيه إلى ما يوضح عن حقيقته ، ويدل على صحته .