معاوية وصية
حدثنا محمد بن الحسن بن دريد ، قال : أنبأنا أبو حاتم ، عن عن العتبي ، أبيه ، عن خالد ، عن أبيه ، عن عمرو بن عتبة ، قال : لما اشتكى معاوية مشكاته التي هلك فيها أرسل إلى فاس من بني أمية فخص ولم يعم ، فقال : يا بني أمية ! إنه لما قرب ما لم يكن بعيدا ، وخفت أن يسبقكم الموت إلي سبقته بالموعظة إليكم ، لا لأرد قدرا ولكن لأبلغ عذرا ، لو وزنت بالدنيا لرجحت بها ، ولكني وزنت بالآخرة فرجحت بي ، إن الذي أخلف لكم من الدنيا أمر ستشاركون فيه أو تغلبون عليه ، والذي أخلف لكم من رأي أمر مقصور عليكم نفعه إن فعلتموه ، مخوف عليكم ضرره إن ضيعتموه ، فاجعلوا مكافأتي قبول وصيتي ، إن قريشا شاركتكم في نسبكم وبنتم منها بفعالكم ، فقدمكم ما تقدمتم فيه ، إذ أخر غيركم ما تأخروا له ، وبالله لقد جهر لي فعلمت ، ونغم لي ففهمت ، حتى كأني أنظر إلى أبنائكم بعدكم نظري إلى آبائهم قبلهم ، إن دولتكم ستطول ، وكل طويل مملول مخذول ، فإذا انقضت مدتكم كان أول تجادلكم فيما بينكم ، واجتماع المختلفين عليكم ، فيدبر الأمر بضد الحسن الذي أقبل به ، فلست أذكر عظيما يركب منكم ولا حرمة تنتهك ، إلا والذي [ ص: 378 ] أكف عن ذكره أعظم ، فلا معول عليه عند ذلك أفضل من الصبر ، وتوقع النصر ، واحتساب الأجر ، فيمادكم القوم دولتهم امتداد العنانين في عنق الجواد ، فإذا بلغ الله عز وجل بالأمر مداه ، وجاء الوقت المحتوم ، كانت الدولة كالإناء المكفو ، فعندها أوصيكم بتقوى الله الذي لم يتقه غيركم فيكم ، فجعل العاقبة فيكم ، والعاقبة للمتقين .