الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل إلى اليمن ،  وذكر أنه صلى الله عليه وسلم صلى الغداة ، ثم أقبل على الناس بوجهه ، فقال : يا معشر المهاجرين والأنصار ، أيكم ينتدب إلى اليمن ؟ فقام عمر بن الخطاب فقال : أنا يا رسول الله ، فسكت عنه ، ثم قال : يا معشر المهاجرين والأنصار ، أيكم ينتدب إلى اليمن ؟ فقام معاذ بن جبل فقال : أنا يا رسول الله ، فقال : يا معاذ أنت لها ، يا بلال ائتني بعمامتي ، فأتاه بعمامته فعمم بها رأسه ، ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والمهاجرون والأنصار يشيعون معاذا وهو راكب ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي إلى جانب راحلته ، ثم قال : يا معاذ ، أوصيك بتقوى الله ، وصدق الحديث ، وأداء الأمانة ، وترك الخيانة ، والأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، وخفض الجناح ، وحفظ [ ص: 110 ] الجار ، ولين الكلام ، ورد السلام ، والتفقه في القرآن ، والجزع من الحساب ، وحب الآخرة على الدنيا يا معاذ ، لا تفسد أرضا ، ولا تشتم مسلما ، ولا تصدق كاذبا ، ولا تكذب صادقا ، ولا تعص إماما ، وإنك تقدم على قوم من أهل الكتاب ، فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله ، فإذا عرفوا الله فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم ، فإذا فعلوا ذلك فأخبرهم أن الله تعالى قد فرض عليهم زكاة تؤخذ من أموالهم فترد على فقرائهم ، فإذا أطاعوا بها فخذ منهم وتوق كرائم أموال الناس ، يا معاذ ، إني أحب لك ما أحب لنفسي ، وأكره لك ما أكره لها ، يا معاذ ، إذا أحدثت ذنبا فأحدث له توبة السر بالسر ، والعلانية بالعلانية ، يا معاذ يسر ولا تعسر ، واذكر الله عند كل حجر ومدر ، يشهد لك يوم القيامة ، يا معاذ عد المريض ، وأسرع في حوائج الأرامل والضعفاء ، وجالس المساكين والفقراء ، وأنصف الناس من نفسك ، وقل الحق حيث كان ، ولا يأخذك في الله لومة لائم ، والقني على الحال التي فارقتني عليها، فقال معاذ : بأبي وأمي أنت يا رسول الله ، لقد حملتني أمرا عظيما فادع الله لي على ما قلدتني عليه ، فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ودعه ، وانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وأصحابه ، ثم أردفه [ ص: 111 ] بأبي موسى الأشعري ، فلما قدم صنعاء صعد منبرها فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قرأ عليهم عهده ، ثم نزل فأتاه صناديد صنعاء ، فقالوا : يا معاذ ، هذا نزل قد هيأناه لك ، وهذا منزل فرغناه لك ، قال : بهذا أوصاني حبيبي أوصاني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا تأخذك في الله لومة لائم ، وخلع رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل من ماله لغرمائه حيث اشتدوا عليه ، وبعثه إلى اليمن وقال : لعل الله يجبرك .

التالي السابق


الخدمات العلمية