الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ثم كتب أبو بكر الصديق كتابا إلى معاذ بن جبل يخبره بموت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبعثه مع عمار بن ياسر ،  وقد كان معاذ أتى اليمن ، فبينا هو ذات ليلة على فراشه ، إذا هو بهاتف يهتف عند رأسه : يا معاذ كيف يهنئك العيش ومحمد في سكرات الموت ؟ ! فوقف فزعا ما ظن إلا أن القيامة قد قامت ، فلما رأى السماء مصحية والنجوم ظاهرة ، استعاذ بالله من الشيطان الرجيم ، ثم نودي الليلة الثانية : يا معاذ كيف يهنئك العيش ومحمد بين أطباق الثرى ؟ ! فجعل معاذ يده على رأسه ، وجعل يتردد في سكك صنعاء ، وينادي بأعلى صوته : يا أهل اليمن ذروني لا حاجة لي في جواركم ، فما شر الأيام يوم جئتكم وفارقت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فخرج الشبان من الرجال والعواتق من النساء ، وقالوا : يا معاذ ما الذي دهاك ؟ فلم يلتفت إليهم ، وأتى منزله ، وشد على راحلته ، وأخذ جرابا فيه سويق وإداوة من ماء ، ثم قال : لا أنزل عن ناقتي هذه إن شاء الله إلا لوقت صلاة حتى آتي المدينة ، فبينا هو على ثلاثة مراحل من المدينة إذ لقيه عمار فعرفه بالبعير قال : اعلم يا معاذ أن محمدا قد ذاق الموت وفارق الدنيا ، فقال معاذ : يا أيها الهاتف في هذا الليل القار من أنت يرحمك الله ؟ قال : أنا عمار بن ياسر ، قال : وأين تريد ؟ قال : هذا كتاب أبي بكر إلى معاذ يعلمه أن محمدا قد مات وفارق الدنيا ، قال معاذ : فإلى من المهتدى والمشتكى ؟ فمن لليتامى والأرامل والضعفاء ؟ [ ص: 163 ] ثم سار ورجع عمار معه ، وجعل يقول : نشدتك بالله كيف أصحاب محمد ؟ قال : تركتهم كنعم بلا راع قال : كيف تركت المدينة ؟ قال : تركتها وهي أضيق على أهلها من الخاتم ، فلما كان قريبا من المدينة ، سمعت عجوزا وهي تذكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهي تبكي فقالت : يا عبد الله ، لو رأيت ابنته فاطمة وهي تبكي وتقول : يا أبتاه إلى جبريل ننعاه ، يا أبتاه انقطع عنا أخبار السماء ، ولا ينزل الوحي إلينا من عند الله أبدا ، فدخل معاذ المدينة ليلا ، وأتى باب عائشة ، فدق عليها الباب فقالت : من هذا الذي يطرق بنا ليلا ؟ قال : أنا معاذ بن جبل ، ففتحت الباب فقال : يا عائشة ، كيف رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند شدة وجعه ؟ قالت : يا معاذ ، لو رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصفار مرة ويحمار أخرى ، يرفع يدا ويضع أخرى لما هنأك العيش طول أيام الدنيا ، فبكى معاذ حتى خشي أن يكون الشيطان قد استفزه ، ثم استعاذ بالله من الشيطان الرجيم ، وأتى أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - .

التالي السابق


الخدمات العلمية