الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
فلما بلغ الحسين بن علي الخبر بمصاب الناس بمسلم بن عقيل خرج بنفسه يريد الكوفة ، وأخرج عبيد الله بن زياد عمر بن سعد إليه ، فقاتله بكربلاء قتالا شديدا حتى قتل عطشانا ، وذلك يوم عاشوراء يوم الأربعاء سنة إحدى وستين ، وقد قيل : إن ذلك اليوم كان يوم السبت ، والذي قتل الحسين بن علي  هو سنان بن أنس النخعي ، وقتل معه من أهل بيته في ذلك اليوم : العباس بن علي بن أبي طالب ، وجعفر بن علي بن أبي طالب ، وعبد الله بن علي بن أبي طالب الأكبر ، وعبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب ، والقاسم بن الحسن بن علي بن أبي طالب ، وعون بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب ، ومحمد بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب ، وعبد الله بن عقيل بن أبي طالب ، ومحمد بن أبي سعيد بن عقيل بن أبي طالب ، واستصغر علي بن الحسين بن علي فلم يقتل ، [ ص: 310 ] انفلت في ذلك اليوم من القتل لصغره ، وهو والد محمد بن علي الباقر ، واستصغر في ذلك اليوم أيضا عمرو بن الحسن بن علي بن أبي طالب فلم يقتل لصغره ، وجرح في ذلك اليوم الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب جراحة شديدة حتى حسبوه قتيلا ثم عاش بعد ذلك ، وقتل في ذلك اليوم سليمان مولى الحسن بن علي بن أبي طالب ، ومنجح مولى الحسين بن علي بن أبي طالب ، وقتل في ذلك اليوم الخلق من أولاد المهاجرين والأنصار ، وقبض على عبد الله بن بقطر رضيع الحسين بن علي بن أبي طالب في ذلك اليوم ، وقيل : حمل إلى الكوفة ثم رمي به من فوق القصر ، أو قيد فانكسرت رجله ، فقام إليه رجل من أهل الكوفة وضرب عنقه .

وكانت أم الحسين بن علي بن أبي طالب فاطمة الزهراء بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأم العباس بن علي بن أبي طالب أم البنين بنت حزام بن خالد بن ربيعة ، والعباس يقال له : السقاء ; لأن الحسين طلب الماء في عطشه وهو يقاتل ، فخرج العباس وأخوه ، واحتال حمل إداوة ماء ودفعها إلى الحسين ، فلما أراد الحسين أن يشرب من تلك الإداوة جاء سهم فدخل حلقه ، فحال بينه وبين ما أراد من الشرب ، فاحترشته السيوف حتى قتل ، فسمي العباس بن علي " السقاء " لهذا السبب ، وكانت [ ص: 311 ] والدة جعفر بن علي بن أبي طالب ، وعبد الله بن علي بن أبي طالب الأكبر ليلى بنت أبي مرة بن عروة بن مسعود بن معتب ، وكانت أم عبد الله بن الحسين بن علي بن أبي طالب الرباب بنت القاسم بن أوس بن عدي بن أوس بن جابر بن كعب ، وكانت أم القاسم بن الحسن بن علي بن أبي طالب أم ولد ، وكانت أم عون بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب جمانة بنت المسيب بن نجبة بن ربيعة ، وكانت أم محمد بن عبد الله بن جعفر بن عقيل بن أبي طالب أم ولد ، وكانت أم عبد الله بن مسلم بن عقيل بن أبي طالب رقية بنت علي بن أبي طالب ، وكانت أم الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب خولة بنت منظور بن زيان الفزاري ، وكانت أم عمرو بن الحسن بن علي بن أبي طالب أم ولد ، وقد قيل : إن أبا بكر بن علي بن أبي طالب قتل في ذلك اليوم ، وأمه ليلى بنت مسعود بن خالد بن مالك بن ربعي ، والذي تولى في ذلك اليوم حز رأس الحسين بن علي بن أبي طالب شمر بن ذي الجوشن   .

[ ص: 312 ] ثم أنفذ عبيد الله بن زياد رأس الحسين بن علي إلى الشام مع أسارى النساء والصبيان من أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على أقتاب مكشفات الوجوه والشعور ، فكانوا إذا نزلوا منزلا أخرجوا الرأس من الصندوق وجعلوه في رمح وحرسوه إلى وقت الرحيل ، ثم أعيد الرأس إلى الصندوق ورحلوا ، فبينا هم كذلك إذ نزلوا بعض المنازل وإذا فيه دير راهب ، فأخرجوا الرأس على عادتهم وجعلوه في الرمح وأسندوا الرمح إلى الدير ، فرأى الديراني بالليل نورا ساطعا من ديره إلى السماء ، فأشرف على القوم وقال لهم : من أنتم ؟ قالوا : نحن أهل الشام ، قال : وهذا رأس من هو ؟ قالوا : رأس الحسين بن علي ، قال : بئس القوم أنتم ، والله لو كان لعيسى ولد لأدخلناه أحداقنا ، ثم قال : يا قوم ، عندي عشرة آلاف دينار ورثتها من أبي وأبي من أبيه ، فهل لكم أن تعطوني هذا الرأس ليكون عندي الليلة وأعطيكم هذه العشرة آلاف دينار ؟ قالوا : بلى ، فأحدر إليهم الدنانير ، فجاؤوا بالنقاد ، ووزنت الدنانير ونقدت ، ثم جعلت في جراب وختم عليه ، ثم أدخل الصندوق ، وشالوا إليه الرأس ، فغسله الديراني ووضعه على فخذه وجعل يبكي الليل كله عليه ، فلما أن أسفر عليه الصبح قال : يا رأس ! لا أملك إلا نفسي ، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن جدك رسول الله ، [ ص: 313 ] فأسلم النصراني وصار مولى للحسين ، ثم أحدر الرأس إليهم فأعادوه إلى الصندوق ورحلوا ، فلما قربوا من دمشق قالوا : نحب أن نقسم تلك الدنانير ، لأن يزيد إن رآها أخذها منا ، ففتحوا الصندوق وأخرجوا الجراب بختمه وفتحوه ، فإذا الدنانير كلها قد تحولت خزفا ، وإذا على جانب من الجانبين من السكة مكتوب : ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون . وعلى الجانب الآخر : سيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون . قالوا : قد افتضحنا والله ، ثم رموها في بردي نهر لهم ، فمنهم من تاب من ذلك الفعل لما رأى ، ومنهم من بقي على إصراره ، وكان رئيس من بقي على ذلك الإصرار سنان بن أنس النخعي .

ثم أركب الأسارى من أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم من النساء والصبيان أقتابا يابسة مكشفات الشعور ، وأدخلوا دمشق كذلك ، فلما وضع الرأس بين يدي يزيد بن معاوية جعل ينقر ثنيته بقضيب كان في يده ويقول : ما أحسن ثناياه ، قد ذكرت كيفية هذه القصة وباليتها في أيام بني أمية وبني العباس في كتاب الخلفاء ، فأغنى عن إعادة مثلها في هذا الكتاب ; لاقتصارنا على ذكر الخلفاء الراشدين منهم في أول هذا الكتاب .

التالي السابق


الخدمات العلمية