محمد بن إسحاق بن يسار مولى عبد الله بن قيس بن مخرمة القرشي ، من أهل المدينة ، كنيته أبو بكر ، وكان جده من سبي عين التمر ، وهو أول سبي دخل المدينة من العراق ، يروي عن : الزهري ، ونافع ، روى عنه : الثوري وشعبة والناس ، مات سنة إحدى أو اثنتين وخمسين ومائة ببغداد ، وقد قيل : سنة خمسين ومائة ، وله أخوان أبو بكر وعمر ابنا إسحاق ، وقد تكلم في ابن إسحاق رجلان : هشام بن عروة [ ص: 381 ] ومالك بن أنس ، فأما هشام بن عروة : فحدثني محمد بن زياد الزيادي قال : ثنا ابن أبي شيبة قال : ثنا علي بن المديني قال : سمعت يحيى بن سعيد القطان يقول : قلت لهشام بن عروة : إن ابن إسحاق يحدث عن فاطمة بنت المنذر قال : وهل كان يصل إليها ؟ قال أبو حاتم - رضي الله عنه - : وهذا الذي قاله هشام بن عروة ليس مما يجرح به الإنسان في الحديث ، وذلك أن التابعين مثل الأسود وعلقمة من أهل العراق وأبي سلمة وعطاء ودونهما من أهل الحجاز قد سمعوا من عائشة من غير أن ينظروا إليها سمعوا صوتها ، وقبل الناس أخبارهم من غير أن يصل أحدهم إليها حتى ينظر إليها عيانا ، وكذلك ابن إسحاق كان يسمع من فاطمة والستر بينهما مسبل أو بينهما حائل من حيث يسمع كلامها ، فهذا سماع صحيح ، والقادح فيه بهذا غير منصف ، وأما مالك : فإنه كان ذلك منه مرة واحدة [ ص: 382 ] ، ثم عاد له إلى ما يحب ؛ وذلك أنه لم يكن بالحجاز أحد أعلم بأنساب الناس وأيامهم من محمد بن إسحاق ، وكان يزعم أن مالكا من موالي ذي أصبح ، وكان مالك يزعم أنه من أنفسهم ، فوقع بينهما لهذا مفاوضة ، فلما صنف مالك الموطأ قال ابن إسحاق : ائتوني به فإني بيطاره ، فنقل ذلك إلى مالك فقال : هذا دجال من الدجاجلة يروي عن اليهود ، وكان بينهم ما يكون بين الناس حتى عزم محمد بن إسحاق على الخروج إلى العراق فتصالحا حينئذ ، فأعطاه مالك عند الوداع خمسين دينارا نصف ثمرته تلك السنة ، ولم يكن يقدح فيه مالك من أجل الحديث ، إنما كان ينكر عليه تتبعه غزوات النبي - صلى الله عليه وسلم - عن أولاد اليهود الذين أسلموا وحفظوا قصة خيبر وقريظة والنضير وما أشبهها من الغزوات عن أسلافهم ، وكان ابن إسحاق يتتبع هذا [ ص: 383 ] عنهم ليعلم من غير أن يحتج بهم ، وكان مالك لا يرى الرواية إلا عن متقن صدوق فاضل يحسن ما يروي، ويدري ما يحدث .
حدثني محمد بن عبد الرحمن قال : ثنا ابن قهزاد قال : ثنا علي بن الحسين بن واقد قال : دخلت على ابن المبارك وإذا هو وحده فقلت : يا أبا عبد الرحمن ، كنت أشتهي أن ألقاك على هذه الحالة قال : هات ، قلت : ما تقول في محمد بن إسحاق؟ فقال : أما إنا وجدناه صدوقا ثلاث مرات ،
سمعت محمد بن إسحاق الثقفي يقول : سمعت المفضل بن غسان يقول : سمعت يحيى بن معين يقول : كان محمد بن إسحاق ثبتا في الحديث .
قال أبو حاتم - رضي الله عنه - : لم يكن أحد بالمدينة يقارب ابن إسحاق في علمه، ولا يوازيه في جمعه ،
وكان شعبة وسفيان يقولان : محمد بن إسحاق أمير المؤمنين في الحديث ، ومن أحسن الناس سياقا للأخبار ، وأحسنهم حفظا لمتونها ، وإنما أتى ما أتى لأنه كان يدلس على الضعفاء فوقع المناكير في روايته من قبل أولئك، فأما [ ص: 384 ] إذا بين السماع فيما يرويه فهو ثبت يحتج بروايته ،
سمعت محمد بن إسحاق بن خزيمة يقول : سمعت محمد بن يحيى الذهلي ، وسأله كرخويه عن محمد بن إسحاق فقال : سمعت علي بن المديني يقول : محمد بن إسحاق صدوق ، والدليل على صدقه أنه ما روى عن أحد من الجلة إلا وروى عن رجل عنه، فهذا يدل على صدقه .
سمعت محمد بن أحمد المسندي يقول : سمعت محمد بن نصر الفراء يقول : قلت لعلي بن المديني : ما تقول في محمد بن إسحاق؟ فقال : ثقة ، قد أدرك نافعا وروى عنه ، وروى عن رجل عنه ، وعن رجل عن رجل عنه ، هل يدل هذا إلا على الصدق !
قال أبو حاتم - رضي الله عنه - : كان محمد بن إسحاق يكتب عمن فوقه ومثله ودونه لرغبته في العلم ، وحرصه عليه ، وربما يروي عن رجل عن رجل قد رآه ، ويروي عن آخر عنه في موضع آخر ، ويروي عن رجل عن رجل عنه ، فلو كان ممن يستحل الكذب لم يحتج إلى الإنزال، بل كان يحدث عمن رآه ويقتصر عليه ، فهذا مما يدل على صدقه وشهرة عدالته في الروايات ، وإنما يمعن الكلام في [ ص: 385 ] هذا الفصل عند ذكرنا إياه في كتاب الفصل بين النقلة - إن قضى الله ذلك وشاء ، سمعت محمد بن أحمد المسندي يقول : سمعت محمد بن نصر الفراء يقول : سمعت يحيى بن يحيى وذكر عنده محمد بن إسحاق فوثقه .


