الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
محمد بن إسحاق بن يسار مولى عبد الله بن قيس بن مخرمة القرشي ، من أهل المدينة ، كنيته أبو بكر ، وكان جده من سبي عين التمر ، وهو أول سبي دخل المدينة من العراق ، يروي عن : الزهري ، ونافع ، روى عنه : الثوري وشعبة والناس ، مات سنة إحدى أو اثنتين وخمسين ومائة ببغداد ، وقد قيل : سنة خمسين ومائة ، وله أخوان أبو بكر وعمر ابنا إسحاق ، وقد تكلم في ابن إسحاق رجلان : هشام بن عروة [ ص: 381 ] ومالك بن أنس ، فأما هشام بن عروة : فحدثني محمد بن زياد الزيادي قال : ثنا ابن أبي شيبة قال : ثنا علي بن المديني قال : سمعت يحيى بن سعيد القطان يقول : قلت لهشام بن عروة : إن ابن إسحاق يحدث عن فاطمة بنت المنذر قال : وهل كان يصل إليها ؟ قال أبو حاتم - رضي الله عنه - : وهذا الذي قاله هشام بن عروة ليس مما يجرح به الإنسان في الحديث ، وذلك أن التابعين مثل الأسود وعلقمة من أهل العراق وأبي سلمة وعطاء ودونهما من أهل الحجاز قد سمعوا من عائشة من غير أن ينظروا إليها سمعوا صوتها ، وقبل الناس أخبارهم من غير أن يصل أحدهم إليها حتى ينظر إليها عيانا ، وكذلك ابن إسحاق كان يسمع من فاطمة والستر بينهما مسبل أو بينهما حائل من حيث يسمع كلامها ، فهذا سماع صحيح ، والقادح فيه بهذا غير منصف ، وأما مالك : فإنه كان ذلك منه مرة واحدة [ ص: 382 ] ، ثم عاد له إلى ما يحب ؛ وذلك أنه لم يكن بالحجاز أحد أعلم بأنساب الناس وأيامهم من محمد بن إسحاق ، وكان يزعم أن مالكا من موالي ذي أصبح ، وكان مالك يزعم أنه من أنفسهم ، فوقع بينهما لهذا مفاوضة ، فلما صنف مالك الموطأ قال ابن إسحاق : ائتوني به فإني بيطاره ، فنقل ذلك إلى مالك فقال : هذا دجال من الدجاجلة يروي عن اليهود ، وكان بينهم ما يكون بين الناس حتى عزم محمد بن إسحاق على الخروج إلى العراق فتصالحا حينئذ ، فأعطاه مالك عند الوداع خمسين دينارا نصف ثمرته تلك السنة ، ولم يكن يقدح فيه مالك من أجل الحديث ، إنما كان ينكر عليه تتبعه غزوات النبي - صلى الله عليه وسلم - عن أولاد اليهود الذين أسلموا وحفظوا قصة خيبر وقريظة والنضير وما أشبهها من الغزوات عن أسلافهم ، وكان ابن إسحاق يتتبع هذا [ ص: 383 ] عنهم ليعلم من غير أن يحتج بهم ، وكان مالك لا يرى الرواية إلا عن متقن صدوق فاضل يحسن ما يروي، ويدري ما يحدث .

حدثني محمد بن عبد الرحمن قال : ثنا ابن قهزاد قال : ثنا علي بن الحسين بن واقد قال : دخلت على ابن المبارك وإذا هو وحده فقلت : يا أبا عبد الرحمن ، كنت أشتهي أن ألقاك على هذه الحالة قال : هات ، قلت : ما تقول في محمد بن إسحاق؟ فقال : أما إنا وجدناه صدوقا ثلاث مرات ،

سمعت محمد بن إسحاق الثقفي يقول : سمعت المفضل بن غسان يقول : سمعت يحيى بن معين يقول : كان محمد بن إسحاق ثبتا في الحديث .

قال أبو حاتم - رضي الله عنه - : لم يكن أحد بالمدينة يقارب ابن إسحاق في علمه، ولا يوازيه في جمعه ،

وكان شعبة وسفيان يقولان : محمد بن إسحاق أمير المؤمنين في الحديث ، ومن أحسن الناس سياقا للأخبار ، وأحسنهم حفظا لمتونها ، وإنما أتى ما أتى لأنه كان يدلس على الضعفاء فوقع المناكير في روايته من قبل أولئك، فأما [ ص: 384 ] إذا بين السماع فيما يرويه فهو ثبت يحتج بروايته ،

سمعت محمد بن إسحاق بن خزيمة يقول : سمعت محمد بن يحيى الذهلي ، وسأله كرخويه عن محمد بن إسحاق فقال : سمعت علي بن المديني يقول : محمد بن إسحاق صدوق ، والدليل على صدقه أنه ما روى عن أحد من الجلة إلا وروى عن رجل عنه، فهذا يدل على صدقه .

سمعت محمد بن أحمد المسندي يقول : سمعت محمد بن نصر الفراء يقول : قلت لعلي بن المديني : ما تقول في محمد بن إسحاق؟ فقال : ثقة ، قد أدرك نافعا وروى عنه ، وروى عن رجل عنه ، وعن رجل عن رجل عنه ، هل يدل هذا إلا على الصدق !

قال أبو حاتم - رضي الله عنه - : كان محمد بن إسحاق يكتب عمن فوقه ومثله ودونه لرغبته في العلم ، وحرصه عليه ، وربما يروي عن رجل عن رجل قد رآه ، ويروي عن آخر عنه في موضع آخر ، ويروي عن رجل عن رجل عنه ، فلو كان ممن يستحل الكذب لم يحتج إلى الإنزال، بل كان يحدث عمن رآه ويقتصر عليه ، فهذا مما يدل على صدقه وشهرة عدالته في الروايات ، وإنما يمعن الكلام في [ ص: 385 ] هذا الفصل عند ذكرنا إياه في كتاب الفصل بين النقلة - إن قضى الله ذلك وشاء ، سمعت محمد بن أحمد المسندي يقول : سمعت محمد بن نصر الفراء يقول : سمعت يحيى بن يحيى وذكر عنده محمد بن إسحاق فوثقه .

التالي السابق


الخدمات العلمية