الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ومما شاهدته وحضرت شيخا من المحدثين بالبصرة فيه سلامة ، وقد أملى عن الربيع بن سليمان ، عن الشافعي ، عن سفيان يعني ابن عيينة ، عن منصور بن عبد الرحمن الحجبي عن أمه صفية بنت شيبة عن عائشة رضي الله عنها قالت: "جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فسألته عن الغسل من المحيض ،  فقال: خذي فرصة من مسك ، فتطهري بها" فقال [ ص: 121 ] قرصة –بالقاف- ، وقال: من مسك ، فلما قام كلمته في خلوة وبينت له ، فقال لا أدري هكذا سماعي ، وإنما الرواية الفرصة الفاء مكسورة ، وقد رواه بعضهم من مسك بفتح الميم ، والمسك الجلد ، وقد روي فرصة من سك ، وروي أيضا فرصة ممسكة ، والفرصة قطعة من القطن أو الصوف أو غيره ، وإنما أخذ من فرصت الشيء أي قطعته .

[ ص: 122 ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [ ص: 123 ] وحضرت شيخا [لنا ] لا أحب ذكره من أهل الفضل والعلم وقد أملى حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، [ ص: 124 ] أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله عز وجل ليبيت القوم بالنعمة ، فيصبح أكثرهم بها كافرين ، يقولون سقينا بنوء المجدح" .  فقال هذا الشيخ: بنوء المخدج بضم الميم وبعدها خاء معجمة ، فكتبت في رقعة [إنما هو ] بنوء المجدح وهو كوكب في آخر الدبران ، وكانت العرب تزعم أنها تمطر به ، ومنه قول عمر رضي الله عنه: لقد استسقيت بمجاديح السماء [ ص: 125 ] إنما هو جمع مجدح أو مجداح . وقد قال الخليل: يقال له: مجداح أيضا ، فأما المخدج فهو ذو الثدية الذي قتله علي [ ص: 126 ] كرم الله وجهه بالنهروان . فقال الشيخ: غيروه وصيروه المجدح .

وسمعت شيخا بأصبهان يروي عن الدبري ، عن عبد الرازق ، عن الثوري ، عن خالد الحذاء ، عن عبد الرحمن بن سعيد [ ص: 127 ] بن وهب ، عن أبيه قال: [رأى ] علي رضي الله عنه قوما سادلين [فقال ]: كأنهم اليهود خرجوا من نهارهم ، فقلنا لعبد الرازق: ما نهارهم ؟ قال: كنائسهم . قلت أنا: فلم أدر أمن الرواية أعجب أم من التفسير ، وإنما الصواب: كأنهم اليهود خرجوا من فهرهم -مضمومة الفاء- والفهر: مدارس اليهود .

[ ص: 128 ] وأما قولهم في حديث آخر: "إنه نهى عن الفهر" ،  فحدثني به الجوهري ، حدثنا القاسم بن الحسن الزبيري ، عن أبي اليقظان سحيم ، حدثني سعد بن طريف ، حدثني عمير بن [ ص: 129 ] مأمون عن الحسن بن علي رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم "أنه نهى عن الفهر" .  وروي عن أبي حاتم أنه قال: سألت عنه الأصمعي فلم يعرفه ، وقال غير الأصمعي: الفهر أن يجامع الرجل امرأة ثم يتحول عنها إلى أخرى فينزل .

وأما الحديث الآخر: وكان على الحسن قميص من هذا القهز القاف مكسورة ، والزاي معجمة ، فهو جنس من الحرير .

[ ص: 130 ] وسمعت هذا الشيخ أيضا في حديث النبي صلى الله عليه وسلم قال: "بعثت في نشر الساعة" بشين معجمة وبعدها راء غير معجمة ، وإنما هو في نسم الساعة يعني حين ابتدأت [ ص: 131 ] وأقبلت أوائلها ، ونسيم الريح أولها . وأما النشر بالنون والشين المعجمة ، فإنه يقال: ومن يملك نشر الماء أي ما انتشر منه وتفرق ، ويقال: اللهم اضمم نشري أي ما انتشر من أمري ، والنشر -بضم النون والشين- خروج المذي من الانتشار ، والنشر -بفتح النون والشين-: داء ينتشر في الإبل .

وفي حديث الحسن: "أنه نهى عن النشر" بضم النون وفتح الشين ، وهو جمع نشرة ، يعني: ما يكتب بالزعفران والسك وقد فسرته فيما يصحف من ألفاظ رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم أكرره .

سمعت رجلا من أصحاب الحديث يقرأ على جعفر بن [ ص: 132 ] محمد بن المغلس فقال: عن مخرقة العبدي . فقال له ابن المغلس: ويحك إنما هو مخرفة العبدي . مشهور .

وأخبرنا ابن الأنباري ، حدثني أبي قال قرأ القطربلي المؤدب على أبي العباس ثعلب بيت الأعشى:


ولو كنت في حب ثمانين قامة ورقيت أسباب السماء بسلم



[ ص: 133 ] فقال له أبو العباس: خرب بيتك ، هل رأيت حبا قط ثمانين قامة ، إنما هو جب بالجيم .

حدثني محمد بن يحيى ، حدثنا أبو ذكوان ، عن التوزي قال: صحف الفيض بن عبد الحميد في حلقة يونس ، فأنشد بيت ذي الإصبع العدواني:


عذير الحي من عدوان     كانوا حية الأرض



فقال الفيض: كانوا جنة الأرض . فقال فيه خلف الأحمر:


كتصحيف فيض بن عبد الحميد     في جنة الأرض أو في الذباب
وما جنة الأرض من حية     وما للذباب وصوت الذئاب
وعالى بذلك في صوته     كقعقعة الرعد بين السحاب



[ ص: 134 ] أخبرنا ابن أخي أبي زرعة ، حدثنا محمد بن حماد الطهراني ، حدثنا عبد الرازق ، عن ابن جريج ، عن إبراهيم بن محمد بن أبي عطاء ، عن موسى بن وردان ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من مات مريضا مات شهيدا ،  ووقي فتاني القبر ، وغدي عليه وريح برزقه من الجنة" هذا هو: من مات مرابطا مات شهيدا .

وإبراهيم بن محمد بن أبي عطاء هو إبراهيم بن أبي يحيى ، [ ص: 135 ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [ ص: 136 ] وإنما دلس ابن جريج باسمه بسبب المذهب .

حدثني ابن الحجاج ، حدثنا الأبار ، حدثني محمد بن إبراهيم بن أبي سكينة الداري قال سمعت إبراهيم بن أبي يحيى يقول: حكم الله بيني وبين مالك بن أنس ، وهو سماني قدريا ، وأما ابن جريج فإني حدثته "من مات مرابطا مات شهيدا"  فحدث عني "من مات مريضا مات شهيدا" .

التالي السابق


الخدمات العلمية